الحالة المدنية

ولا ينبغي أن يفهم مما سبق أنني أستهين بالكتابة الرقمية. لقد أردت فقط رصد ظاهرة هي استسهال النشر من طرف كثيرين وقارنت ذلك بسلوك بعض المقتدرين من أسلافنا الشعراء وقدمت نماذج ساعيا من ذلك إلى الإسهام في إثارة السؤال وطرح الإشكال ولم أتغيا بأي حال من الأحوال إصدار حكم قاطع. وإلا فأنا أؤمن بدور النشر الالكتروني في توسيع مساحة التواصل بين المبدع وقرائه، كما أقدر مدى فاعلية وسائط الاتصال الالكتروني في نشر قيم التنوير والاستنارة التي تتوخاها الأعمال الفكرية والابداعية التي ينشرها الكتاب على صفحاتهم. لأنه ما من شك أن وسائل التواصل الالكتروني تمثل نافذة يطل منه الإنتاج الفكري والإبداعي على جمهور المتلقين الذين يتفاعلون مع هذه المادة الفكرية والأدبية.
غير أن ذلك لا يصدق سوى على الكتابة الالكترونية الجادة والرصينة، وهي كتابات استوت في الغالب ونضجت قبل انتشار الكتابة الرقمية. أما الذين بدأوا النشر مع ذيوع ‘الفيسبوك’ فإن كتابتهم في كثير من الأحيان تكون ‘غير نضيجة’ بتعبير أسلافنا من المتقدمين الذين كانوا ينظرون إلى الأدب بوصفه ‘صناعة’ تحتاج إلى تهذيب وتثقيف. وغني عن البيان أن مصطلح ‘صناعة’ لا يحمل أي توصيف قدحي. ولكنه يدل على التمكن والبراعة والرغبة في التجويد. فلا يعرض المبدع نصوصه للتداول والتلقي حتى يتأكد من أنها قد توفرت لها شروط القول الأدبي ومتطلباته. من ذلك أن بعض القصائد كانت تمكث عند شاعر مثل زهير حولا كاملا فيما يذكر الجاحظ ولذلك أطلق عليها ‘الحوليات’. في حين نجد كثيرا من الكتاب الذين تعج بهم صفحات المواقع الالكترونية انبروا للكتابة ولم تستقم لهم آلتها. ولكن النشر الإلكتروني استطاع أن يؤمّن لهم الإنتشار السريع، ولذلك أقبلوا عليه بكثير من التسرع وعدم التروي مما جعل من استسهال الكتابة يتحول إلى ‘إسهال’ مزمن عند البعض. حيث صار المعروض من النصوص أكثر من المقروء وهو ما جعل بعض المتابعين لظاهرة الأدب الرقمي يطلقون على هذه الظاهرة ‘استنزاف الخطاب’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *